
بعد مرور سبع سنوات على الجريمة المروّعة التي أودت بحياة الصحفي في صحيفة واشنطن بوست جمال خاشقجي، المواطن السعودي والناقد البارز للحكومة السعودية، تواصل منظمة DR4G إدانتها لغياب العدالة في هذه القضية. وتدعو المنظمة مجددًا إلى إجراء تحقيق مستقل ومحايد لتحديد مسؤولية كبار المسؤولين السعوديين، بمن فيهم ولي العهد محمد بن سلمان، ليس فقط فيما يتعلق باغتيال خاشقجي، بل أيضًا بشأن عمليات الاستهداف التي تتم عبر المراقبة الرقمية والقمع العابر للحدود.
خاشقجي، الذي كان من أبرز المنتقدين لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، قُتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. وعلى الرغم من موجة الاستنكار الدولي ونتائج التحقيقات الشاملة التي أجرتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة، فإن الجهات الرئيسية المسؤولة عن الجريمة لم تُحاسَب حتى الآن.
من هو جمال خاشقجي؟
قبل أن يصبح اسمه مرادفًا لإحدى أكثر جرائم الاغتيال السياسي صدمة في عصرنا، كان جمال خاشقجي صحفيًا ملتزمًا بمبادئ عالمٍ عربي أكثر حرية وانفتاحًا. منذ وفاته، استذكر أصدقاؤه وزملاؤه دفئه وتواضعه وإيمانه العميق بالحوار بدل الانقسام. ورغم أنه كان في وقتٍ من الأوقات مستشارًا لبعض أفراد النخبة السعودية، إلا أنه أصبح أكثر انتقادًا لسياسات الحكومة في قمع المعارضة وتركيز السلطة. في مقاله الأخير، الذي نُشر بعد مقتله، كتب خاشقجي أن “ما يحتاجه العالم العربي أكثر من أي شيء آخر هو حرية التعبير”. ورغم أن هذا الإيمان كلّفه حياته، إلا أن كلماته ما زالت تُلهم الصحفيين والنشطاء والمواطنين الذين يرفضون الصمت في وجه القمع.
أدلة واضحة على الإفلات من العقاب
في يونيو 2019، أصدرت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة أغنيس كالامار تقريرًا مفصّلًا خلص إلى أن مقتل جمال خاشقجي كان “إعدامًا متعمّدًا” تتحمّل المملكة العربية السعودية مسؤوليته. قدّم التقرير أدلة موثوقة تربط ولي العهد محمد بن سلمان بالجريمة، ودعا إلى فتح تحقيق دولي وفرض عقوبات على كبار المسؤولين المتورطين. وأكد التقرير أن العملية تطلّبت موارد بشرية ومالية كبيرة، ما يشير إلى تورّطٍ وموافقةٍ مباشرة على أعلى مستويات الدولة السعودية. كما انتقدت كالامار المحاكمة السعودية للمتهمين، ووصفتها بأنها تفتقر إلى الشفافية ولم تُجرَ بحسن نية. ومع ذلك، لا تزال هذه التوصيات تُتجاهل حتى اليوم، إذ رفضت الحكومة السعودية التقرير ووصفته بالمنحاز وغير المستند إلى أدلة، وما زالت ترفض التعاون مع المحققين الدوليين أو السماح بالوصول إلى الأدلة الأساسية.
في عام 2021، خلص تحقيق أجرته وكالات الأمن القومي الأمريكية إلى أن ولي العهد محمد بن سلمان قد وافق على الأرجح على عملية “القبض على خاشقجي أو قتله”. استند هذا التقييم إلى سيطرة ولي العهد الكاملة على عملية صنع القرار، وتورّط مستشاره المقرّب وأعضاء من فريق حمايته الشخصي في العملية، بالإضافة إلى دعمه لاستخدام العنف لإسكات المعارضين في الخارج، بمن فيهم خاشقجي. وخلصت نتائج التحقيق إلى أنه من غير المرجّح أن يتم تنفيذ مثل هذه العملية دون موافقة مسبقة من أعلى المستويات. ورفضت الحكومة السعودية هذه الادعاءات، ووصفتها بأنها “منحازة ولا تستند إلى أسس صحيحة”، كما أنها ما زالت حتى اليوم ترفض التعاون مع المحققين الدوليين أو السماح بالوصول إلى الأدلة الأساسية.
غياب واضح لمسار العدالة
ورغم مرور السنوات، لم يلتزم المجتمع الدولي بدور فعّال لتحقيق العدالة. فعلى الرغم من أن بعض الدول فرضت عقوبات على أفرادٍ متورطين في الجريمة، إلا أن هذه الإجراءات تجنّبت استهداف ولي العهد محمد بن سلمان. ففي الولايات المتحدة، تم الإعلان عن قرار باسم “حظر خاشقجي”، يقضي بتقييد منح التأشيرات لـ 76 سعوديًا يُعتقد أنهم تورطوا في أنشطة ضد المعارضين، لكن دون فرض أي عقوبات على ولي العهد نفسه. وبالمثل، فرضت المملكة المتحدة عقوبات على 20 مسؤولًا سعوديًا، لكنها استثنت محمد بن سلمان. وقد انتقد المدافعون عن حقوق الإنسان هذا التقاعس باعتباره فشلًا في إرساء العدالة الدولية.
فبدلًا من تحقيق المساءلة الحقيقية، تحوّلت قضية خاشقجي إلى ورقة سياسية؛ إذ استخدمتها الإدارتان الأمريكيتان، ترامب وبايدن، كورقة ضغط على الرياض.ورغم أن تقييم وكالة الاستخبارات المركزية أشار بوضوح إلى تورّط محمد بن سلمان المباشر،ثم طيّ القضية بهدوء، وعلى الرغم من أن كلا الرئيسين وعدا علنًا بتحقيق العدالة، فإنهما لم يفيا بوعودهما، مفضلَين المصالح السياسية على المبادئ.
تسلّط هذه الأحداث الضوء على كيفية إعطاء الحكومات الغربية، لا سيما الولايات المتحدة، الأولوية للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية على حساب حقوق الإنسان. فقد ساهمت الولايات المتحدة ليس فقط في دفن القضية، بل ولعبت أيضًا دورًا أساسيًا في إعادة تأهيل صورة ولي العهد محمد بن سلمان باعتباره “مُصلحًا حداثيًا“، مما سمح عمليًا بتجاوز الجريمة وعدم محاسبة المسؤولين عنها.
ورغم استمرار الدعوات لتحقيق العدالة، فقد تُركت التوصيات إلى حد كبير دون تنفيذ، وأفضت المحاكمة السعودية إلى إدانة عناصر منخفضة المستوى فقط، بينما لم يُحاسب كبار المسؤولين، بمن فيهم سعود القحطاني، المستشار المقرب من ولي العهد.
نمط مستمر
لا يُعد اغتيال خاشقجي حادثة منفصلة، بل جزءًا من اتجاه متنامٍ لقمع الصحفيين والمعارضين عبر الحدود الوطنية. فقد وثّقت منظمة فريدم هاوس 854 حادثة من هذا النوع نفّذتها 38 حكومة في 91 دولة بين عامي 2014 و 2022. وتستهدف الأنظمة الاستبدادية، بما في ذلك السعودية والصين وروسيا، المعارضين في الخارج بشكل متزايد من خلال المراقبة والمضايقات والعنف.
في المملكة المتحدة، أبلغ المنفيون السعوديون عن تهديدات وترهيب، بما في ذلك تهديدات بالقتل ومضايقة أفراد أسرهم في الوطن. وعلى الرغم من هذه التقارير، فقد انتُقدت السلطات البريطانية لفشلها في اتخاذ إجراءات كافية، واتهم بعض النشطاء الحكومة بـ “التغاضي” بسبب الروابط الدبلوماسية والاقتصادية مع السعودية.
المسار المستقبلي
حتى أكتوبر 2025، لا يزال المسؤولون الرئيسيون عن مقتل خاشقجي دون عقاب. ويُعد هذا تذكيرًا بخطر حقيقي: فبدون تحرك جماعي، ستستمر الأنظمة الاستبدادية في تسخير التكنولوجيا لإسكات المعارضين خارج حدودها.
ترى منظمة DR4G أنه يجب القيام بمزيد لحماية الحقوق الرقمية وضمان حرية الصحافة. لذلك، يُعد تنفيذ توصيات الأمم المتحدة، بما في ذلك التحقيقات المستقلة وفرض العقوبات المستهدفة، أمرًا بالغ الأهمية لردع الانتهاكات المستقبلية
